شمس الدين الشهرزوري
616
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
ذلك القضاء الأوّل الواحداني . وإذا كانت هذه الشرور داخلة في قدر الله تعالى ، فتكون معلومة في العناية الأولى الإلهية ومرضيّا بها بالعرض من حيث هي لوازم للخيرات الكثيرة التي لا يمكن انفكاكها عن تلك الشرور ؛ فهي من اللوازم التي ليست بجعل جاعل ، لا أنّها « 1 » مرضيّ بها من حيث هي شرور . ومنبع الشرور إنّما هو الإمكان والعدم ، إذ لولا هما لما أمكن وجود الشر لكون الواجب لذاته خيرا محضا « 2 » لا شر فيه أصلا . فقد علمت ممّا مرّ أنّ الشر إمّا عدم أو ما يؤدّي إلى العدم فإذا لم يكن هناك عدم لم يكن هناك شر . والأشياء التي بالفعل من جميع الوجوه لا شر فيه . وإنّما الشر يمكن وقوعه في الأشياء التي يعرض لها القوة ؛ وإنّما منع الشارع عن ذكر سرّ القدر لأنّ كشفه يوهم عند العوام عجز البارئ تعالى : فإنّه لو قيل : إنّه تعالى لا يقدر إلّا على الممكنات دون الممتنعات ، وإنّه لا يقدر على خلق النار غير حارّة ، وإنّه لا يقدر على خلق مثله ، لتوهّموا أنّه عاجز ؛ فالأولى أن يلقى إليهم أنّه على كل شيء قدير ، ليتعظم في نفوسهم ويتفخّم في صدورهم . وأمّا المتكلمون المحرومون عن أسرار العلوم الحقيقية الذين « 3 » ما ارتفعوا عن دائرة الوهم والخيال وهم الذين لا يلتفتون إلى غير عالم الكون والفساد ، زعموا أنّ الشر في الوجود أكثر من الخير ، ويتوهمون أنّ العالم إنّما خلق لأجل الإنسان الذي هو خلاصة الوجود ويفضّلونه على الملائكة - صلوات الله عليهم أجمعين « 4 » . وقد عرفت أنّ الشر إنّما يكون على « 5 » عالم الكون والفساد بسبب التضاد المذكور ، فهو لا يكون إلّا في الحيوانات القليلة بالنسبة إلى عالم الكون والفساد الذي هو نزر حقير بالنسبة إلى الوجود ؛ على أنّ الغالب على الحيوانات الصحة والسلامة وإنّما يعرض « 6 » لها الاستضرار بالشرور أحيانا ، كما مرّ تفصيله .
--> ( 1 ) . ش : جاعل لأنّها . ( 2 ) . ن ، ش : خير محض . ( 3 ) . د : التي . ( 4 ) . د : - صلوات الله عليهم أجمعين . ( 5 ) . د ، ش : إنّما هو في . ( 6 ) . د : يحصل .